ملتقى قصيدة النثر في تونس يطلق اسم أنسي الحاج على دورته الثانية

أنسي الحاج - تونس

أنسي الحاج – تونس


الجمهوريّة التونسية
وزارة الثّقافة
المندوبيّة الجهويّة بنابل
دار الثّقافة بنابل

برنامج الدورة الثانية
للملتقى الوطني لقصيدة النثر
دورة الشّاعر “أُنْسِي الحــــــــــــــــــــــاج”

* الجمعة 18 نيسان\أبريل 2014
الس15: الإفتتــــــــــــــــاح
معرض الفنّـــــــــــان الــــــتشكيلي “مراد شويه”
الس15و30: عرض و توقيع الإصدارات الجهوية
“لستُ عنْك بعيدًا” لأحمد حباشة (شعر)
“نسْجُ دَخان” لسليم المستور (شعر)
“بين ليليت و حوّاء عاشت جدّتي البكر” لوفاء بالطيب (نصوص)
الس17: قراءات شعريّة للضّيوف
يُديرُ اللّقاء الشّاعر: جميل عمامي

* السبت نيسان\أبريل 2014
الس10: مداخلة نقديّة للأستاذ الشاعر: عبد الوهاب الملوّح بعنوان “هؤلاء
اللّذين يتسلَّقُون سَلالِمَ الرّيح-شعراءُ الألفيّة الثّالثة-”
الس10و30: نقــــــــــــــــــــــــــــــــاش
الس11: تكريم الشاعرة: “فضيلة الشّابي” يقدِّمُها الأستاذ: “مجدي بن
عيسى”
الس11و30: قراءة شعريّة للشاعرة: “فضيلة الشّابي”
الس12: استــــــــــــــــــــــــــراحــــــة غــــــــــــــــــــــــداء
الس15: مداخلة الأستاذ “مجدي بن عيسى” بعنوان “ارتيادُ الأقاصِي حيْثُ
الهُنا و الآن” (ظاهرةُ التَّنْثِيرِ في قصيدة النَّثْر التّونسيّة)
الس16: نقــــــــــــــــــــــــــــــــاش
الس17: أمسية شعريّة لكلٍّ من: سعيف علي،سفيان رجب، محمد الناصرالمولهي، هدى الحاجي،شوقي العنيزي
يقدِّمُها الشاعر: جميل عمامي

* الأحد 20 نيسان\أبريل 2014
الس10: مداخلة الأستاذ الدكتور: “الهادي العيّادي” بعنوان “المحاكاة
السّاخِرة في قصيدة النثر-أُنْسِي الحاج أنمُوذَجًا- (وفاءً لروحِ الشّاعر)
الس10و30: نقــــــــــــــــــــــــــــــــاش
الس11: أُمْسية خِتاميّة
يُؤثِّثُها الشّعراء: أشرف القرقني،عبد الوهاب الملوّح،رضا العبيدي،مجدي بن عيسى،شاكر السّيّاري

Posted in ندوات ومؤتمرات | أضف تعليقا

الفنان يعمل

عباس بيضون
جريدة السفير
4 شباط 2014

أنسي الحاج

أنسي الحاج

دخل إلى غرفته وأغلقها عليه. لم ينظر إلى ساعته لكنه لم يحطمها. لقد شاء باستمرار أن يكون لائقاً. أحبَّ فقط أن يكون رقيقاً، أراد أن يكون خفياً ووحده يطلق العنان لسخريته. يلقي في وجه الكون ذرة خبث يستحقها. يرمي كلمة سوداء عارمة بالضحك. في الخارج كان حتى الهواء يغدو خشناً. يغدو جارحاً وقاسياً ومسنوناً. في الخارج كانت الأسلحة البالية تتراكم لكن العنف يبقى أخضر ونضراً. كانت الفصائل منهكة متهاوية لكن التعب هو رسول القتل، وفي التعب الأقصى لا شيء سوى الدماء لغسل التعب وغسل الخوف وغسل الضجر. لم يحب الدم. طالما خاف من جرح في إصبعه، كان أحياناً قاسياً، كلماته قاسية في مواقف لكنها لم تكن قط دموية، صارع وحده ولم يكن أبداً تحت راية. كان وحده غاضباً ووحده ثائراً ووحده متألماً ووحده شقياً، لكنه لم يجرح زهرة، لم يَدسْ نملة. وبالطبع لم يكن أبداً في الحشد، فهم أن الخوف وحده يدفع الناس إلى الحشد لكنه لم يكن يوماً في فصيل، بحث عن البراءة وجد كلمات زانية فغسلها وانتزع منها شرها وأعادها إلى طفولتها، مشت الكلمات أمامه وكأنها مولودة تواً. بعد أن صرخ ملياً في الوعر أراد أن يغني.ترك الكلمات ترقص، كانت موجودة لذلك، الغناء سهل ولا يحتاج إلى أوزان والى مقامات، الغناء سهل لأن الكلام يغني وحده، لأنه وُجد ليغني.

دخل غرفته وأغلقها عليه، لأنهم يعربدون في الخارج، لأنهم يصحّرون الروح، لأنهم يزنون بالكلمات ويجعلونها مشبوهة وعاقرة، لأنهم يأكلون أجساد بعضهم بعضاً، في هكذا مكان يصعب على المرء أن يجد نفسه. إنها باستمرار طائرة خوفاً وطائرة سأماً وفارّة من وجه القبح والشر، في هذا المكان يصعب على المرء أن يصنع قصيدته وأن يجد مكاناً لها. يصعب على المرء أن يلعب مع الكلمات وأن يلعب بالكلمات، لقد وجدت القصيدة انها متلألئة في السماء. ملموسة وبارزة ولا تحتاج إلا لمن يعيد تركيبها، إنها موجودة داخل الجسد وداخل النفس. وها هو يغمض عينيه ويجدها. يغمض عينيه ويتابع الصراع. يغمض عينيه ويعمل. يعمل بصمت. يعمل في نومه، يرى القصيدة ويجمعها. تأتيه الكلمات طوع يده وهو لا يفعل سوى أن يثبتها في أماكنها. إنه يراها، يحلم بها. فهو يعمل حتى في نومه، وحين يستيقظ سنرى القصيدة في عينيه، حين يصحو ويخرج من الغرفة سنرى القصيدة فيه. سيكون هو القصيدة.

Posted in عن أنسي الحاج | أضف تعليقا

لا تكتب عن أنسي الحاج

جرجس شكري
مجلة أخبار الأدب
8 فبراير\شباط 2014

لا تكتب عن أنسي الحاج‮ ‬،‮ ‬فهذا الشاعريبدو قاسياً‮ ‬حزيناً‮ ‬مثل نبي طرده أبناء وطنه فلجأ إلي برية‮ ‬بعيدة ليصرخ فيها وحيدا‮ ‬،‮ ‬يلبس حول حقويه جلد ماعز،‮ ‬يأكل جراداً‮ ‬وعسلاً‮ ‬ويكتفي بالصلاة للكلمات المجردة،‮ ‬الكلمات الأولي،‮ ‬شعرت للمرة الأولي بقسوة اللغة‮ ‬،أو قل اللغة العارية التي تجردت من كل‮ ‬غايتها التي نعرفها ولجأت إلي‮ ‬غايات جديدة‮ ‬،طليعية تصطدم كل من اقترب منها،‮ ‬فشعرت بالخوف وأنا أقرأ‮( ‬لن‮) ‬لأنسي الحاج،‮ ‬أنا الذي قرأ شعراً‮ ‬يبدو جميلاً‮ ‬غارقاً‮ ‬في البلاغة،‮ ‬إذ قرأت قبل أنسي الحاج قصائد نثر ترتدي ملابس الشعر‮ ‬،‮ ‬قصائد تضع علي رأسها قبعة البلاغة وتنتعل المجاز والموسيقي،‮ ‬فكثيرون كتبوا ومازالوا‮ ‬يكتبون قصيدة النثر بمنطق الشعر التقليدي،‮ ‬بمنطق الأسلاف لغةً‮ ‬وبناءً‮ ‬ولكنه آمن بالنثر الخالص،الطبيعي‮ ‬فمنحه شعراً‮ ‬خالصاً‮ ‬وخاصاً،‮ ‬منحه أسراره وفتح له أبوابه المستعصية‮ ‬،‮ ‬فهو‮ ‬يؤمن أن أدوات النثر تعمل لغايات شعرية ليس إلا‮ ‬،‮ ‬فهو لا‮ ‬يستعير من تراث الشعر شيئاً‮ ‬يتوكأ عليه في قصيدة النثر،‮ ‬لكنه‮ ‬يخلق من النثر شعراً‮ ‬،‮ ‬هو‮ ‬يعرف أكثر من كل الشعراء أن النثر وحده فيه كل مقومات الشعر‮.

أنسي الحاج _أخبار الأدب

أنسي الحاج _أخبار الأدب

‮……………‬

‮ ‬وكما أن الأشياء حين تصعد إلي خشبة المسرح تتجرد من‮ ‬غايتها في الحياة وتصبح أشياء المسرح،‮ ‬فالكرسي الذي نجلس عليه حين‮ ‬يصعد إلي خشبة المسرح‮ ‬يُصبح كرسي المسرح،‮ ‬ربما كرسي قيصر أو الملك لير أو كرسي‮ ‬يوجين‮ ‬يونسكو،‮ ‬أو كرسي الزمن‮ ‬،هكذا كل أدوات النثر حين تدخل قصيدة أنسي الحاج تصبح أدوات الشعر تعمل لغايات شعرية‮ ‬،‮ ‬وهذا ما أدهشني ومن قبل جعلني أشعر بقسوة شعر أنسي الحاج حين قرأته لأول مرة‮ ‬،‮ ‬لأنه ذهب إلي الشعر من طريق جديد‮ ‬،‮ ‬ذهب من الباب الضيق إلي ملكوت الشعر‮ .‬

أنسي الحاج عكس كل الشعراء دخل إلي القصيدة مسلحاً‮ ‬بأدوات النثر وليس بأدوات الشعر التي نعرفها‮ ‬،‮ ‬دخل وهو‮ ‬يثق تمام الثقة في النثر أن‮ ‬يمنحه شعراً‮ ‬خالصاً‮ ‬دون دعم أو مساعدة من أدوات الشعر التي نعرفها‮ ‬،‮ ‬ربما حاوره طويلاً‮ ‬وسأله لا تخذلني‮ ‬يا صديقي‮ ‬،‮ ‬فأنا أؤمن بك‮ .‬

‮………….‬

في‮ ‬يناير عام‮ ‬1965‮ ‬كتب أنسي الحاج تحت عنوان هذه هي الحياة‮ : ‬أنا من الذين‮ ‬يعتقدون بالدخيلاء،‮ ‬واللاوعي،‮ ‬والمغناطيس،‮ ‬والعقل الباطن،‮ ‬والحلم،‮ ‬والخيال،‮ ‬والمدهش،‮ ‬والعجيب،والسحر والهذيان،والصدفة،‮ ‬وما فوق الواقعي،‮ ‬وكل ما هو مشبوه فوق الواقع،‮ ‬ولي اهتمامات بالجوانب المثيرة من الانحرافات العصبية والعقلية والنفسية‮ . ‬واعتبر منطقة النفس البشرية أعمق وأكثر تفوقاً‮ ‬من أن‮ ‬يحيط بها أو‮ ‬يحصرها طب نفسي‮ ‬يظن في‮ ‬يده المفاتيح لأبواب هذه المنطقة والعلاج لأمراضها‮.‬

ربما تكون هذه الكلمات جزءا‮ ‬يسيرا من بطاقة هوية أنسي الحاج الذي قال إنه‮ ‬يرفض شرطة الجمال وحشرات التزييف الشعري والفني والعقائدي‮ !‬لأنه‮ ‬يعرف الكلمات في جوهرها لا في مظرهها الزائف‮! ‬تخيلته‮ ‬يسأل الكلمات وربما العابرين،‮ ‬الاسلاف والمعاصرين‮.. ‬هل‮ ‬يخرج من النثر قصيدة؟‮ ‬أنسي الحاج أجاب بمفرده والآخرون أجابوا أيضاً،‮ ‬هو أجاب وانحاز إلي النثر وقال‮: ‬قصيدة النثر عالم بلا مقابل‮ ‬،‮ ‬فقصيدة النثر كي تكون قصيدة حقاً‮ ‬لا قطعة نثر فنية أو محملّة بالشعر تتوافرفيها شروط ثلاثة‮ ‬،الإيجاز والتوهج والمجانية‮ ‬وظل هكذا في كل أعماله،‮ ‬عاش أنسي الحاج‮ ‬يسأل الكلمات العارية مثل سفسطائي إغريقي‮ ‬يستيقظ من نومه ليسأل السماء عن أصلها والعالم عن المحرك الأول،و في خريف‮ ‬1960‮ ‬كانت مقدمة‮ – ‬لن‮ – ‬مانيفستو قصيدة النثر وفيها كان‮ ‬يسأل النثر عن الشعر،‮ ‬وجاءت الإجابة حافلة بالقلق في‮ – ‬الراس المقطوع،‮ ‬ماضي الأيام الآتية،‮ ‬الرسولة بشعرها الطويل حتي الينابيع‮ – ‬وبعد ثلاثين عاماً‮ ‬في مقدمة‮ – ‬خواتم‮ – ‬راح‮ ‬يكفر الكلمات نثراً‮ ‬وشعراً‮ ‬،‮ ‬فلم تعد الكلمات تبلور الحقائق وتبدعها،‮ ‬يقول‮ : ‬لقد أصبحت الكلمات تنقل إلينا بلاغتها،‮ ‬في أي لغة كانت،‮ ‬لكنها لاتقيم بينها وبيننا تواصل الحب‮. ‬القربان انفصل عن رمزه‮ . ‬هل ماتت الكلمة؟‮ ‬وكان‮ ‬يسأل عن نفسه لا عن الكلمة‮ ‬،‮ ‬كان‮ ‬يسأل عن موته بعد أن توقف عن الكتابة‮( ‬لكوني عدت واستأنفت الكتابة وكأني عدت واستأنفت الحياة بعد موتي‮) ‬

‮……….‬

في شعر أنسي الحاج الكلمات التي كانت في البدء‮ ‬،‮ ‬الكلمات العارية كحواء وآدم قبل طردهما من السماء‮ ‬،‮ ‬كلمات لا تشعر بالخجل من عريها تستطيع أن تواجه العالم دون أقنعة وتقف في القصائد مرفوعة الرأس بلا زينة‮ ‬،‮ ‬فهو حليف الكلمات قبل أن‮ ‬يكسوها الأسلاف بملابس المجاز والاستعارة وكل عباءات البلاغة‮ ! ‬وظني أن هذا ما جعلني أشعر بالقسوة وأنا أقرأ شعره للمرة الأولي كان لابد أن تتخلص ذائقتي من تاريخ طويل من الأقنعة‮ . ‬فالكلمات عنده تتخلص حتي معانيها التي نعرفها‮ ‬،‮ ‬فالشعر كلام الصمت‮ ( ‬مامن فرق بين الشعر والحب إلا الأول كلام الصمت والآخر فعله‮) ‬والكلمات عند الآخرين صاخبة ترتدي سراويل ومعاطف و أحذية وتضع كل أنواع المساحيق‮ ! ‬لهذا أقرأ شعر أنسي الحاج في صمت‮ ‬،‮ ‬ولا أناقش الآخرين حوله‮ ‬،‮ ‬لا أتحدث مع أحد عن شعره‮ ‬،‮ ‬وكأنه طقس سري ممتع‮ ‬،‮ ‬أتامله‮ ‬،‮ ‬أفكر في هذه السطور وفي قسوة المعني‮ ‬،‮ ‬أهمس لنفسي بكلام أنساه بعد لحظات وأقول لي‮ : ‬لاتكتب عن أنسي الحاج،‮ ‬ولا تتحدث عنه‮ ‬،‮ ‬احفظه كمحبة لا تسقط أبداً‮ . ‬

Posted in عن أنسي الحاج | أضف تعليقا

أخبار الأدب المصرية – أنسي الحاج

أخبار الأدب- أنسي الحاج

أخبار الأدب- أنسي الحاج

Posted in عن أنسي الحاج | أضف تعليقا

«خواتم» أنسي الحاج: القصيدة الآتية

عبدالقادر الجنابي
الخميس ٦ شباط ٢٠١٤
جريدة الحياة

خواتم_أنسي الحاج

خواتم_أنسي الحاج

«بهذه الشقائق طفِقتُ أدعم خرائبي» (إليوت)

قد يسأل قارئ: هل توقف أنسي الحاج عن الشعر، مفضلاً أن يكتب حكماً، وصايا، تعاليم؟ لا أدري! على أني أعرف أن أنسي الحاج لا يعمل في صناعة سحر البيان، ولا يكتب شعراً حسب المسطرة الموروثة التي لا يزال شعراء يكتبون وفق مقاسها الإيقاعي. فتجربته كلّها تقوم على «الكلام الجوهري، منظّف الروح» من كلّ الرجس الجاري على الأفواه، حتّى تكون القيامةُ، مرةً واحدةً في تاريخها، بدايةَ العالم… بابلَ ضد بابل.

لتجربة أنسي الحاج الأولى آثار محفورة في كل ما يُكتَب من شعر منذ عقود. حافظت على وهجها حتى عندما دخل أنسي الحاج في صمت طويل، بحيث كانت تحمل نقاءها في كلّ طبعة جديدة. ولكن، حين قرر فجأة أن يولد من جديد، رأى أن الشكل الشعري الذي تميّزت به دواوينه الستة، لم يعد يتماشى مع واقع «قُذف في سباقِ سرعةٍ بلهاء قضت على التأمّل وأحلّت الألمعيّة الدّجالة الانتهازية محل الصدق والعمق والجديّة والشفافية». وحتى مقارباته النثرية التي كان يكتبها تحت عنوان «كلمات، كلمات، كلمات» أصبحت جزءاً من تاريخ سنوات بعيدة، جزءاً يذكّرنا بالزمان التجريبي الجميل الذي ضاع منّا، ولا نعرف كيف! كل هذا مدوّن في سجل تاريخ الكتابة العربية الحديثة. لقد وجد نفسه يستحم في جوٍّ جديدٍ اسمه الشوط الثاني من التجربة حيث الشعور «بالولادة كما الصحو من النوم». إنها تجربة كسرِ الصمت، «فالصمت لا يستطيع دائماً وحده التعبير عن الصمت»، تجربة الصعود أعاليَ الضفة الثالثة حيث «الكتابة كجسد جديد… لإعادة الفعل إلى الكلمة».

قلّب مغامرته التي كانت في صلب ريادة قصيدة النثر «هذا الحلم المكثّف والسريع» (رامبو)، فوجد عنصرها الأساسيّ: الإيجاز، فِصُّ الفكر… مَفصِلُه ومجزُّه، أفضلَ موئلٍ، «رغم صعوبته»، ينزل به نزولاً عميقاً حتى أمكنة الكلام الخبيئة. والحاج لا يعرف قنبلةً أخرى سوى الإيجاز، «شكل دقّةِ الإفصاح، اقتصاده» (جيرار ديسون)، إفصاح المواجهة مع قيم لغويّة/ مجتمعيّة، مع آيات الواقع التي تحتاج إلى كسر. و «الإيجاز، هنا، يترجّح ما بين اصطياد بَرْق الرأس، والسأم من التعبير».

هكذا، أصبح لنا «خواتم» مصوغة من شقائق النثر، وراءٍ جديدٍ في فلك ما يسمّى الكتابة المتشظيّة، المتفتتة التي فرضت نفسها منذ الرومنطيقيين الألمان، كفن أدبي مستقل مفتوح على أفضية شاعريّة لا متناهيّة، متحررٍ من إسار الوعظ والماضوية الذي يعاني منهما جنس الأشكال الوجيزة (القول المأثور، المَثل، الأمثولة، الخاطرة، الحِكمة، الكلمة الجامعة، الشاهدة، المُقتبس، ما قلّ ودلّ، النادرة… إلخ)، يجب أن لا نُسلك «خواتم» في عداد هذه الأشكال… بل يجب أن يُنظر إلى كل فقرة/ مقطع فيها كـ Fragment التي تترجم عادة بـ «شظية» أو «قِطعة». لكنني أرى أن أقرب ترجمة لها هو شقيقة (وفي حالة الجمع: شقائق النثر) بدل «شظيّة» الخالية من أية إشارة فنيّة إلى المفهوم الأدبي الحديث للكلمة، حيث التدامج بين نثر تساوره الأفكار وشعر يقوم على المُجاورة، يولّد شاعريّةً «تستوعب أضدادها وتشتمل على نقائضها»… شاعريّة تقلب الحقائقَ المسلّمة، وتستبدلها بحقائق حدسيّة، «تجعلنا نعيد النظر في كلّ شيء، حتى في النشيج» (سيوران).

والشقيقة، واحدة الشقائق، هي كل ما استطار من البرق وانتشر في الأفق، والجمع شقوق، لكنني أفضل شقائق تذكيراً بتوهج ذلك النبات الأحمر المنير، الذي هو توهج الفكر عينه. وثَمّ اشتقاقات أخرى، مثلاً، «الشِّقَّة» هي القطعة المشقوقة من شيء. ويقالُ «شَقَّقَ الكلامَ» إذا أخرجه أحسَن مُخرَجٍ: «في أدنى حجمٍ وفي ألفاظٍ أقل، وبطاقَةٍ قصوى» (نيتشه)، على عكس الخطب السرديّة التي تسمّى «شقاشِق»، وهناك أيضاً «الشُّقّةُ» التي تعني «السفر الطويل» وهنا إيحاء إلى أنّ «هذا الذي يُعبَّر عنه بإيجاز هو ثمرةُ تفكّر طويل» (نيتشه). وإذا كانت الشقائق تعني أيضاً، «نظائر»، في لسان العرب: «النساء شقائِقُ الرجال»، فإننا، إذاً، مصيبون في تسميتنا هذه، خصوصاً أننا نرى، في معظم الشعر العالمي الحديث، الشقيقة باتت نظير قصيدة النثر، كما لدى رينيه شار.

وهي ليست مُصغَّرَ كُلٍّ كالكلمة الجامعة أو الهايكو، فالشقيقة تختلف عن الكلمة الجامعة بامتلاكها طابع اللاتكامل، الانفتاح على آفاق جديدة من دون أن ترتبط في شكل ثابت. «فهي ليست شقيقةً بالصدفة وإنما بطبيعتها» (شليغل). تَقطَع حبل السرّة مع حياة سابقة كانت فيها جزءاً من كلٍّ، لكي تكون هي الكلُّ، كغصن يسقط من الشجرة لكي يكون هو الشجرة: «أنا لا شيء، ولكن يجب أن أكون كلّ شيء» (ماركس). هكذا، تثبت الشقيقة أن «الكلَّ ليس حقيقياً» (أدورنو)، ناسفةً بذلك مفهوم الكلّ (تلازم الأجزاء العضوي) الهيغلي والوَحْدة (الحَبْكة) الأرسطوطالية. ناهيك عن أنّ كلمة شقائق تحمل معاني العنف، التشقق والاقتطاع، وهي عين ما تتضمّنه كلمة Fragment المشتقة من الكلمة اللاتينية Frango: خلع، كسر، شق… إلخ. ومعاناة التشقق الذهني بين الحياة والموت في «خواتم» واضحة: «كلما كتبت عبارة، أفعلُ كعائد من الموت أو كمزمعٍ على العودة إليه».

الشقيقة، لدى أنسي الحاج، هي «الحالة» المستسلم لنهشها. إنها شكلٌ، وليست جنساً أدبيّاً، إذ ليس لها قوانين مُقرَّرة، كقصيدة النثر مثلاً أو الشعر الحر، حتى يمكن تقليدها أو اتباعها، مع أنّ لها استقلاليتها التي تعكس استقلاليةَ كاتبها. من هنا، هي «ليست أسلوباً مُقَرَّراً مسبقاً، وإنما هي شكلُ المكتوب» (دريدا)… وحدةٌ نثريةٌ مستقلةٌ تبدو وكأنها نُدبة، جرحٌ غائرٌ في السرد. وأحياناً، تطفو في بياض شاسع، معلقةً كسهمٍ يبحث عن مرمى. إنها كالجسد الجريح تحمل شكل التمزق والألم أشبه برسالة شُقّت من أعماق اللاوعي فباتت علامة نقصانٍ وعدمَ اكتمال، وتبدو دوماً ناقصةً، مبتورةً – لكن أبداً ليست مجهضة – شيئاً لم يكتمل، بل لا تسعى أبداً – وهذا لا يقدم كبير عون للناقد المدرسي – «إلى أن تكتمل، وإنما إلى أن تتصيّر دائماً» (شليغل). إنها سرد مسدود «يحقّق نفسَه بواسطة توقّفه، موتِه، والانقطاعِ عن الاسترسال. فالشقيقة تنشأ، بطبيعتها، من كتابة جزئية الطابع أو مُجزّأة. فهي لن تكفّ عن التوقّف، وهذا هو عصبُ سيْرِها» (لاندميرال). و «لا يهتم بكتابتها إلا أولئك الذين اختبروا الخوفَ وسط الكلمات، خوفَ أن يتهدّموا هم والكلمات معاً» (سيوران) وأنسي الحاج واحد منهم.

شقائق «خواتم»، ليست موجزةً وإنما وجيزة، وليست قصيرة وإنما مقتضبة. على عكس صفحات مئات الناثرين، هنا لا إغراق في القول ولا التواءات في الطرح. إنّها في صلب الشعر الذي هو ليس مهنة، وإنما «حارس اللغة ونبيّها». فهي تولد حاملة معها ديمومتها الزمنية المتأثرة بحافز إيقاعي يقصر دائرتها، يخلصها من الاستطراد والإسهاب، مما تعود تعبيراً خاطفاً، آنيّاً، رسماً بيانيّاً لحركة الذهن يحضنا على النظر إلى كل شقيقة كما ننظر إلى صورة إشعاعيّة. فآلة الإفصاح لدى أنسي الحاج تترك الفكر يتدفّق بكل تقطّعاته، لا يخنقه الاسترسال أو الإطناب رغبةً في إيضاحٍ لا يحتاجه سوى البلداء، مع المحافظة على مسافة بينه وبين ما يطرأ فجأة، ما ينبجس من مَلَكة الإدراك المُتقَصّفة، وعلى صراحة متناهية في الإعراب عن لمحة الضمير، من دون الوقوع في مطب الانطباعات التي غالباً ما تنمو كالنباتات الخبيثة بسبب عفونة الواقع المحيط و «تقذف بك في مهبّ الخطاب». كما أنه لم يتناول الأمور من جوانبها الصغرى، أي من ضرورة اتخاذ موقف إزاء «المظهر الغشّاش»، وإنما من أماكنها الخبيئة، من سدرة ما تحلم به من سمو. هكذا، جاءت «خواتم 1 و2» كتابين تتقافز فيهما الأفكار، هذه الغنائم الذهنية، من تشخيص دقيق للغة، للشعر، للكتابة، لفراغ العالم القاتل، إلى تشخيصات أكثر دقة للواقع، للأشخاص، لهواجس تستيقظ أثناء التدوين من نوم اجتماعي طويل، لأنها «لا تستند في أيَّ شيءٍ على حب الذات، الأقصوصة، الحكمة أو الرواية… وإنما دُوِّنَت إبان التوتر، الغضب، الخوف، المنافسة، القرف، المراوغة، الخلو الخاطف مع النفس، توهم المستقبل، الصداقة، الحب». (شار)… أفكار لا تصل إلى طريق مسدود، لأنه بكل بساطة ليست ثمّة طريق قط، وإنما شسوع في كل الاتجاهات حيث «حرية ملاقاة الكلمات لأقدارها».

الشقيقة، جمالية الاقتضاب هذه التي «تتوافق فيها المتنافرات» (جونسون)، فنٌّ وليس لهواً. وإنّ المخيلة، كالوزن في الشعر، هي إحدى مُكوِّنات بُنيتِها. كل خاتَم/ ختمٌ ثريٌّ بما يكتمه.

«خواتم» أنسي الحاج، كالشّاشة، تتعاقبُ تعاقبَ المشاهدِ السينمائية، نهر يصعد إلى غير رجعة. إنها ليست سِقطَ ذهانٍ تأويليّ، وإنما هي انقداحاتُ ذهنٍ في صفوٍ عالٍ، رافضٍ كلّ توفيقية، أشبه بعملية إضاءة اللغة بضوء الولادة. إنها بزْرة اللّمْح، انكفاء في اللاشكل! تنسف الفرق الشائع بين النّثر والشعر… مقررة فرقاً أساسياً هو الفرق بين الفاضي والمليء.

يتميّز الإيجاز في «خواتم» بتلقائية تمنح فرصةً للروح لصوغ فكرة أوسع مما للتعبير. ذلك أن حركة الكتابة هي عين حركة القراءة: في كل تقطّع، توقّف، ينهض ظلٌّ، حضورٌ بلا حاضر، يعيدنا إلى عتبة النص لندخل من جديد. إنّها نهايةُ اندفاقِ شعورٍ انشقّ عن ماض ما، عن أصلٍ تلاشى في البياض، وها هو ملقى يحمل معه ختْمه، بلا حركة لكنه يحرّك جلّ المشاعر. نعم، إن أقرب معنى لـ «خواتم» هو نهايات… نهايات قياميّة تُفضي بنا، إلى مزيد من الإيمان بأنّ القصيدةَ هي دوماً قصيدةٌ آتية.

Posted in عن أنسي الحاج | Tagged , , , | أضف تعليقا

تعـالَ ومعـك هدايـاك- أنسي الحاج

أنسي الحاج
جريدة الأخبار اللبنانيّة
السبت ٢١ كانون الاول ٢٠١٣

الرسالة- طه ملاسي

الرسالة- طه ملاسي

 

يستعجل اللاحقون دفن السابقين.
إنّها السلطة، في الأدب والفنون والأديان أيضاً. تقول خرافة شائعة إنّ الحضارة تَواصُلٌ واستمرار. ولكنّها خرافة. يرثُ الحاضرُ الماضي شاء أم أبى وليس في الغالب من باب الوفاء. وتَراها وراثة ووراثة. ولم يرث حقّاً إلّا مَن غار الإرث فيه غَوْر الليلِ في مجهوله.

على أنّ اللاحق ليس دوماً جديداً ولا بالحتم مجدّداً وإنّما يأتيه ذلك بتلاقي الضرورة والموهبة، والتاريخ والقَدَر، واللحظة والشخص.

ولا يكفي اللاحق أن لا يقلّد السابق، بل زد انوجاد اللاحق في زمنه انوجاد مَن يَقْطع مع السابق ثائراً غازياً أو مَن يَصل الأوقات وَصْلَ الملخّص لها والمتقدّم إلى الأمام منها بقدراتٍ هَدْميّة وبخَلْفيّة تُوجِدُ العَدَم.

ليست البداية مشيئة محض فرديّة ولا محطّة زمنيّة تعقبها محطّات. وليست الريادة طلائع وموجات بل هي بداية «وكأنّها» من صفر. بداية في غير معنى المتابعة والإكمال، فليس للفجر متابعة وإكمال، وكلّ فجرٍ هو البداية. بودلير رائدٌ دائم. مثله رمبو. قبلهما شكسبير. في العربيّة جميل والمتنبّي وابن الرّومي وأبو نواس. في الأغارقة هوميروس وأخيل وأوريبيد وسوفوكل وهيراقليط. في الفنّانين ميكل أنجيلو ورافاييل وباخ وموزار وبيتهوفن وفاغنر. غداً مَنْ؟ ثمّة في الغد روّاد هم في الحقيقة أصحاب الزمان لا أمس ولا اليوم ولا غداً بل في المسامّ والعروق والحواس والمعتركات.

ثم فيمَ التسابق على صفة الريادة وليست هي المرام _ إن يكن مرامٌ _ بل لحظةُ استحضارِ الحياة استحضاراً أقوى، استحضاراً يجدّد التعلّق بها؟ أليس هذا هو الأدب والفنّ والفكر والجمال؟ إنْ لم يكن هذا فما هو؟ وما التجديد وما شرعيّته إنْ لم يكن تنفيض الحياة؟ وهل غير بَعْث الحياة اسم للإنسان؟ فكيف بالخلّاق؟

في ضوء هذه المعاني _ التذكيرات لا يبقى لاصطراع الكلمات غير طنين الألفاظ الخاوية. كلمات «حداثة» و«تقليديّة» و«ريادة» و«اتباعيّة» و«طليعيّة» و«سلفيّة» قد تؤدّي دوراً في مرحلةٍ من مراحل النطق التغييري، ولكنّها ملتصقة بالأحوال التي أمْلَتْها وليست «شعارات أبديّة». من الواجب على كلّ زائر أنْ يُطلّ ومعه هداياه، أو أن يأتي فارغ اليدين مليء المهجة فتكون تقدمته مفاجأة أكبر. ليس الأدب صراع نفوذ بل نفوذه من انبلاج إشعاعه ولا شأن لعضلات «السلطة» وحِيَل الشطارة ووصوليّة النرجسيّة في إرساء «قيمةٍ» أدبيّة. ومهما يكن ذكاء المتعطّش شديداً فلا نفع منه في الحلول محلّ الأثر، يكون أو لا يكون. وليس هناك «أَدوار» فيأتي الواحد في أعقاب الآخر. لا ديموقراطيّة في الأدب. وإنّها لتدوم لغيرك وقد لا تؤول أبداً إليك.

الموضوع لم يتغيّر حرفٌ من سرّه منذ أوّل تصوير على أوّل جدار. أحبب وافعل ما تريد، يقول أغسطينوس. كنْ واكتب. كنْ ولحّن. كنْ وصوّر. كنْ، أيْ ذاتك أَطعمْ يديك. وليست العبرة في تراكم الخبرات وحده بل في عظمة التراكم في الذات، وربّ مراهقٍ أو طفلٍ بذي عصور.

عنف الداخل يفرش الخارج. يقتحم الدار ويفرض الصمت والإصغاء. عنف الدفق المكبوت يجيش ثم ينبجس فيرسم حوله دوائر الفراغ والترقّب والدهشة والصدمة والنفور والانذهال والحبّ. كلّ لحظة من هذا النوع هي فلذة أَبَد. وعلى قلّتها في التاريخ، فكلّ واحدةٍ منها تبدو أكبر من التاريخ، مع أنّه أطول منها بكثير، ولكنّها هي لحظة الحياة، اللحظة الإلهيّة في الحياة، اللحظة الأمّ، التي يؤلّف مجموعها القصّة السريّة والخلْفيّة والعليا لعظمة الإنسان، بل لما هو أنبل من عَظَمته ومن أيّ عَظَمة: لجمال يديه.

■ إيذاء

لا نرى كلمة «إيذاء» متداولة. القاموس يذكر الأذى والأذيّة. ألْحَقَ الأذى. القرآن يعتبر الأذى ضرراً خفيفاً. الجميع يورد: أساء، أضرّ، الإيذاء مستهجنة. ومع هذا يقهرنا المعنى على إدخال الياء بعد الألف توكيداً للوجع. الحَقَ الأذى مثل رشرش الملح. بعضالملح.

المؤذي مؤلم، لا ذلك الشاهر الأنياب فحسب بل خاصّة المرسال الذي يتوسّله القَدَر للهدم وهو ساهٍ عن القَدَر. لكن… أحقّاً لا يعرف وسيط الشؤم أنّه يبذر فتنة؟

■ الإنسان الكامل

الإنسان الكامل، في مفهوم الفكر الباطني، هو الذي انتقل من طور العالَم الأصغر الموجود في الإمكان (الكون مختزَلاً في إنسان) إلى طور العالم الأصغر (ميكروكوسم) الآخذ في الفعل. لقد أصبح الخلاصة التامة والفاعلة للعالم. يقول الجرجاني: «الإنسان الكامل هو التقاءُ جميع العوالم الإلهيّة بالعالم الطبيعي، والعوالم الكونيّة وتلك الجزئيّة. إنّه الكتاب الذي تجتمع فيه كلّ الكتب الإلهيّة والطبيعيّة (…) الروح الكونيّة هي قلب العالم الكبير كما أنّ الروح العاقلة هي قلب الإنسان، ولذلك يُسمّى العالم «الإنسانالكبير»..».

عابـــرات

رأيتُ الجانب الجوهريّ في استرجاع الوقت الضائع عندما ركض شخصان هذا من أوّل رصيف القطار وذاك من آخره وارتميا واحد على الآخر وأجهشا بالبكاء.

■ ■ ■

أين هو أيضاً الوقت الضائع؟ هو في عرقلة أحلامنا لأفعالنا.

■ ■ ■

لماذا الحبّ حَدَثٌ خارق؟ لأنّه يتألّف من مستحيلين: رغبةٌ ستجد نهايتها قريباً، وطرفٌ آخر لم يعرف بعد حظّه فيك.

■ ■ ■

عندما أتحامل على الحبّ لا أشعر أنّي أظلمه بل يحبطني عجزي عن المضيّ أبعد في التحامل.

■ ■ ■

كلّنا جرحى الوجود، وأحياناً الشاعر يتقدّم الآخرين، لا لأنّ جرحه مميّز، بل لأنّه يتميّز عن سائر الجرحى بتطلُّعٍ نحو عالم أكثر رحمة. هذا التطلُّع هو الشعر. لا يختلف شعرٌ عن شعر إلّا بهذا التطلُّع، وبزرقة الطفولة الصامدة وراء جهاد هذا التطلُّع.

Posted in خواتم | أضف تعليقا

فيروز..البطرك

فيروز _ أنسي الحاج

فيروز _ أنسي الحاج

فيروز صوتٌ يخترقُ دروعَ اللامبالاة، يبكّت ضميرَ الهزء، يطهّر النفس كما يطهّرها البكاء لا العقاب، محبّةُ الطفل لا مهادنة العدوّ. هذه السلطة الأخلاقيّة ليس مثلها لفلسفة ولا لتعليم. ربّما مثلها في شواهد خارقة. لا تُحبّ فيروز أن يُقال عنها «أسطورة» أو «أيقونة». كان عاصي يلقّبها بـ«البطرك» إشارة إلى المهابة ولم تضحك لهذه المداعبة. تكره التحنيط. تكره المصطلحات. تريد أن تتأكّد من حيويّة فنّها كلّ لحظة. عندما تسمع أغانيها الأولى تبتسم بتأثّر قائلة «يا الله هديك البنت!». تتعجّب لها، كما لو أنّها مغنّية أخرى. تجتاز أعمارها باضطرام وهدوء معاً، كما لو أنّها وُلدت الآن. لكنّها في الواقع غداً ستولد. الحفلة المقبلة هي الأولى. تحبّ ماضيها الفنّي ولا تتجمّد عنده. لا يوقف حلمها شيء. حلمٌ مُطْلَق. حلم بمَ؟ توقٌ إلى مَ؟ «أنا عندي حنين/ ما بعرف لمين». والجميل، المؤلم الجميل، أنْ لا تَعْرف. كل يوم ينبثق الفجر ويكتفي الزمن بدورته الرتيبة، إلّا فجر الفنّان، أمسه غير يومه ويومه غير غده. هذا المجهول هو الحبيب. هذا الخيال هو الذي يهفو إليه الشوق. هذا الجزء هو المبحوث عنه دون كَلَل. الجزء الناقص للكمال، فقط هذا، فقط بعدُ هذا، هذا هو! بلى، هو! وجدتُه! وجدتُه!

«كأنّها» وَجَدَتْهُ. لم يكن إلّا دَرَجة أخرى في السلّم. طيّبة هذه اللحظة، شكراً للّه! شكراً أيّها اللحن، أيّها الشعر، أيّها الجمهور الحبيب! شكراً يا ربّي على نجاحي! على صوتي! على أصدقائي! يا إلهي ما أكرمك! ولكنْ، ولكنْ، لمَ أقفرت الصالة بعد الحفلة؟ أين راحوا؟ «متل الحلم راحوا». وأنا أرجع الآن إلى العزلة، الانتظار، التحرُّق على هذا اللعين الذي لا يزال ناقصاً! هَبْني يا ربّ فرصةً جديدة علّني أجده فأرتاح! أرتاح! يا إلهي!…

ولن تَجِديه يا فيروز. حُلمكِ يحفرُ فيكِ كما يحفر النهرُ العظيم في الأرض. رُوحُكِ عَطّشها اللّه لتظلّ تضيء شموعَها الرائعة على طريق الرجاء.
نهرٌ هادرٌ وعطشان: هذا هو عذابُ الموهبة.

Posted in Uncategorized, عن فيروز | Tagged | أضف تعليقا