“أُنسي الحاج.. من قصيدة النثر إلى شقائق النثر”للناقد العراقي عبدالقادر الجنابي

"أُنسي الحاج.. من قصيدة النثر إلى شقائق النثر"للناقد العراقي عبدالقادر الجنابي.

“أُنسي الحاج.. من قصيدة النثر إلى شقائق النثر”للناقد العراقي عبدالقادر الجنابي

صدر عن دار جداول في بيروت كتاب “أُنسي الحاج.. من قصيدة النثر إلى شقائق النثر” للأديب الشاعر العراقي/ الفرنسي عبدالقادر الجنابي.

يقول الجنابي: 

إن الرسالة التحرّرية لشعر أنسي الحاج الخالي من أيِّ تلميح أيديولوجي، تكمن، من جهة، في أنه وضع توجّهًا شعريًّا كلاسيكيَّ المنحى كان سائدًا، على الرفِّ؛ مرّةً وإلى الأبد. ومن الجهة الأخرى، في قدرته على زجّ اللغة الشعرية في معمعان التجريب الطليعي بنقل القصيدة من نطاق الدمدمة في الأذن إلى صور تسمعها العين؛ من قاموس الكلمات المزوّقة وذات الوقع الرومانسي المستهلك، إلى معجم الكلمات الحيويّة الصادمة؛ الخشنة لكنّها معبرة بدقّة عن ثيمة الموضوع بحيث تضفي للقصيدة وهجها الجنسي، ذلك أنّ «الشّعر يعيش في لغته… الشّعر ليس في تقنياته التي أُلصِقَت به لتمييزه عن النثر مثلًا. وإنما هو في وظيفة ممارسته الإيمانية بوجودِ «عالم خفيّ» نحسّه لكن لا نراه. وهنا يكمن البعد الروحي للشعر». فاللغة في أشعار أنسي الحاج، تسيل وكأنها كلام وليست كتابة… كلام خال من كل الصور المجازية المفتعلة، لا يعيقه أيّ سد جماليّ، أخلاقي أو مذهبي. يتدفّق، يتقطّع وكأنه بورتريهات الفكر وهو يتقطّر.

«يحلم الشاعر بتكوين بشرية جديدة لا بكتابة شيء جديد فقط. الكتابة هي الجسد الجديد».
*أنسي الحاج

Posted in عن أنسي الحاج | أضف تعليقاً

أنسي الحاج: مئويّـــة سعيـــد عقـــل

أنسي-الحاج_سعيد-عقل

أنسي-الحاج_سعيد-عقل

أنسي الحاج
2 تموز 2011

4 تموز عيد بلوغ سعيد عقل المئة. جامعة سيّدة اللويزة دعت للاحتفال بالمناسبة عبر قدّاس خاص يترأسه البطريرك الراعي في بكركي، يليه إعلان عن نشاطات لاحقة.

جماعة تبتهج لبقاء شاعر حيّاً منذ قرن لأن استمراره بينها يعطيها قوّة. هذه المرّة، التكريم ليس لنتاجه بل لوجوده. هكذا يبدو لنا الأمر، ونتفهّمه. الجماعة التي أوهنها الدهر وضاعت عن ماضيها وحاضرها وقفتْ ترتجف أمام مصيرها. الجماعة المستغربة في الشرق المستشرقة في الغرب السارحة المتجذّرة المثمرة بين ضفاف لغة القرآن فوق ما صال المسلمون وجالوا. جماعة الصلابة والنوافذ المشرعة، الأقليّة المُفْرَدَة والإمبراطوريّة المعنويّة. الجماعة التي يستطيع أبناؤها أن يثوروا عليها ولا تثور عليهم، وينكروها ولا تنكرهم. الجماعة التي تُصلّب بالخمس وتجعل تعداد رياح الانفتاح من الخمس وصاعداً. الجماعة التي صُوّر للآخرين أنّها تنوي إبادتهم فإذا بها هي تغدو يتيمة في أرضها. الجماعة التي كأنَّ ناجي العلي كان يقرأ في فنجانها مطلع الحرب الأهليّة حين وضع في رسومه لـ«السفير» شخصيّة «الماروني التائه». جماعة لم أرحمها وذهبتُ في هجائها حدّ دعوتها إلى التخلّي عن مناصبها بدءاً بالرئاسة، وإلى الرجوع للأرض والكدح رجوع المتَّضِع الفقير المحتاج أملاً في استعادة جدارات كانت لها. الجماعة التي لم يستوِ فيها يوماً خطّ السلطة مع خطّ الفكر، فاستوطنت الغربة بين الفريقين حتّى أصبحت المارونيّة مارونيّتين، واحدة سُمّيت سياسيّة وأخرى خرجتْ من حدودها وكادت تخرج من كلّ حدود ولم تعد تجد لها بيتاً. الجماعة التي لم يفهمها أحد مثلما فهمها غير أبنائها، كميشال شيحا وشارل مالك وعمر فاخوري وكاظم وتقي الدين ومنح الصلح وكمال الصليبي وعبّاس بيضون.

خرجتْ من حدودها ولم تجد لها بيتاً.

وها هي الكنيسة تفتح أبوابها في مئويّته لأحد أولئك الذين حاولوا اختراق الحدود.

■ ■ ■

لا يعني ذلك أن سعيد عقل وُضع في قالب المارونيّة وأُغلق عليه، لكنّ في البادرة رمزاً مأسويّاً جارحاً. أكبر شاعر عربي حيّ تحتفل به طائفته لا قرّاء العربيّة.

الجوّ ممهَّد من زمان لعزل شاعر «رندلى» وحَشْره في أضيق خندق، لا منذ دعوته للكتابة بالعاميّة وبالحرف اللاتيني ولا منذ وقوفه ضد الفلسطينيّين في الحرب ولا منذ مَنَعَ نفسه من كتابة كلمة عرب أو لفظها بل منذ «قدموس» وأطروحة «لَبْنَنَة العالم». عامله العروبيّون معاملتهم لزعيم سياسي عنصري لا لشاعر ومفكّر لديه موقف سياسي لا يجوز أن يلغي نتاجه الأدبي أو يقلّل من أهميّته.

شبحٌ مهول هذا الشَبَح. لا نريد أن تسترجعنا طوائفنا. لا نريد أن نكون خيولاً في اسطبلات. الشاعر خالق في اللغة، واللغة لغة عشرات الملايين لجميع الأزمنة. حتّى لو أراد الشاعر أن يكون شاعر دينه لا يستطيع أن يمتلك إرثه، ولا دينه يحق له مصادرته. إسلاميّات أحمد شوقي احتلّت حيّزاً كبيراً من نتاجه وأحمد شوقي ليس شاعراً للمسلمين بل شاعر لمَن أراده. الياس أبو شبكة مفعم بالروح المسيحي وشعره جزء من وجدان السوريّين والعراقيّين مسلمين قبل المسيحيّين. الأخطل المسيحي كان أحد كواكب العصر الأموي في المطلق لا بوصفه مسيحيّاً.

حورب سعيد عقل لا لأنّه مسيحي بل لأنّه «لبناني عنصري». تلك هي التهمة، وهي أسوأ من تهمة الطائفيّة.

قبله اتُهم طه حسين وبعض جيله بالفرعونيّة، ومع الوقت أعيد له ولهم اعتبارهم كأدباء وحبّة مسْك. هل لأنّها مصر الكبيرة ولأن لبنان صغير؟

لم يشأ سعيد عقل ولا يوماً أن يتكلّم كطائفي، ولم يلقّب نفسه إلّا باللبناني، وكان يهاجم الأحزاب المسيحيّة الطائفيّة. يصعب علينا هذه اللحظة أن نتخيّله لفئة دون فئة، وإن تكن المدرسة والكنيسة مشكورتين على بادرتهما، ولسان حالهما بالطبع أنّهما أقدمتا حيث لم يخطر ببال أحد.

هو هذا الانكماش الذي يؤول إليه واقعنا الأدبي ما يُخيفنا. هل كنّا واهمين حيال أحجامنا حتّى نشهدها تتدهور من تنفيس إلى تنفيس؟ هل تلك النهضة كانت زوبعة في فنجان؟

■ ■ ■

أوّل ثورة شعريّة عربيّة ليست «مواكب» جبران ولا محاولات جماعة «أبّوللو» بل «بنت يفتاح» و«المجدليّة» و«قدموس» و«رندلى». عديدون من أركان مجلّة «شعر»، التي ثارت في مَن ثارت على سعيد عقل، ما كانوا ليكونوا لولا سعيد عقل. كثيرون من حَمَلَة الأقلام اليوم كانوا سيكتبون أحسن لو قرأوا سعيد عقل.

ونحن لا نجتزئه. عنصري؟ وخارق. كثيرون في العالم عنصريّون وخارقون. الأديب يقاس بكتابته. خاصة حين يكون أكبر من معظم الذين يقيسون.

■ ■ ■

سعيد عقل عنصري؟ نعم، إذا كان العنصري هو الفاقد أمانه في محيطٍ ساحق لا يشبهه. إذا كان في نظر المختلف هو عنهم يشكّل «خطراً». إذا كان المختلف هو عنهم يشكّلون له «تهديداً». هذا عنصريّ الأقليّة، الأقليّة التي تولد خائفة. عنصريُّ مَنْ نشر زرعاً نبذته الأرض ومَن حَمَلَ تقدمةً أشاحت عنها الأكثريّة جماهير ونخبة، ولم تحتضنه غير العائلة الصغيرة.

عنصريّة المغبون، عنصريّة فرديّة دفاعيّة ولّدتها عنصريّة الأكثريّة. حتّى ليبدو هذا العالم العربي مجموعاتٍ من العنصريّات المتعايشة في توارث تَباغضها، تتكاذب لطفاً ومجاملة، يصبر بعضها على بعض دهوراً وينفجر لحظةَ مؤاتاة الظروف. ولا تنحصر العنصريّة هنا في العرق أو الدين بل تشمل صراع القديم والجديد، التقليد والإبداع، والتنافس بين البلدان، وهو تنافسٌ طالما دفعت ثمنه البلدان الصغيرة بتجاهل البلدان الكبيرة لها، ولم يكسر القاعدة إلّا لبنان، وكان لسعيد عقل في هذا، بعد جبران وبالتزامن مع حركة «المكشوف»، دور حاسم.

صَنَع سعيد عقل للعربيّة عالماً أكبر من عالم. يجب أن نُحسن تقدير الأدباء بمقياس داخلي وبصرف النظر عن الأحكام الجاهزة. ولبنان سعيد عقل هو سعيد عقل: مادة صلصاليّة عَجَنَها ونَحَتَها كما يعجن الخالق صلصاله ويُسوّيه. منحوتة أرادها سوبرمانيّة، حَشْوَتُها الأسطورة وصَدْرها الحلم. تماماً كما نظر إلى المرأة:

«هِمْ يا حبيبْ

بلونيَ الليلكيّ.

همْ، لا تُقرّبْ يدا،

هِمْ بالنظر،

أبقى الأثر

ما لم يزلْ موصَدا».

بالشوق لا بالوصول، جمالٌ بلا عيب، بلا ضعف. وإذا لزم الأمر، بالشيء بَدَل صاحبه، بالذاكرة بَدَل عَيش اللحظة، بالتصوّر بَدَل التجسُّد. أرى ما أَحلم. لا شأن للواقع الذي تحسبونه هو الحقيقة، الواقع ـــــ الحقيقة بؤس لمريدي البؤس.

اكتشف سعيد عقل هذا المَهْرب، هذا الخلاص، في بداية العمر ولم يَدَع لشيءٍ أن يجرّده منه. متوحّش الحلم وصل إلى المئة. لم يَقْبَل تجزئةً لحلمه: الذي استطاع أن لا يرى المرأة إلّا على عرش الخيال استطاع أن يقسو في الحرب حتّى الجنون.

مجنون المعشوقة كان في الواقع أشدّ جنوناً بلبنان المعشوق. لم يكذب بكلمة في جنونَيه. مضى إلى النهاية. وإذا كان في جنون الجمال النسائي قد خَلَط أحياناً كغيره بين التغزُّل بالحبيبة والتغزُّل بالنفس، وما ذلك بنادرٍ عند الشعراء، ففي جنونه بلبنان لم يدع مجالاً لالتباس: كان دائماً منذ البداية يعتبر لبنان الذي يكتبه انعكاساً لإرادته.

لم يتسامح مع أيّ خطرٍ يُهدّد أيقونَتَيه، رُكْنَي فكره. حَصَّنَ إلى حدّ الخرافة أيقونةَ المرأة المعشوقة وسيَّجَ حتّى العنف أيقونةَ الوطن الذي أراد له، في مقدمة «قدموس»، أن «يُلبنن العالم».

أبقى حرير الفكرة قريباً تماماً من شرنقتها، فلا تنفطم أيٌّ منهما ولا تتشرّد ولا تسقط تحت أقدام الواقع.

المسحور الذي أوصل انسحاره إلى المئة.

عابرات

بعض الكائنات تكاد لخفّتها أن تطير، فيها من الأثير ما يضاهي ما فيها من اللحم والدم. إذا تعرّفتَ على امرأةٍ من هذا النوع فقد يلتبس عليك الأمر وتحسب أثيريّتها تهالكاً على المغامرة. لا تلقِ بنفسك كالذئب على الفرصة. سلّف اللاعبة وقتاً، دعها تُظهر طبيعتها على رسْلها: الخيط صغيرٌ جدّاً بين الهوى والهواء.

■ ■ ■

أشدّ الإغراءات فتكاً ما يصدر عن حسناء بغير قصدها: يُسربل الناظر، دون أمل له لا بالتجاوب فحسب بل بأن يُفْهَم.

■ ■ ■

القامةُ جزءٌ من روح الجسد. الصوت عطْرهما.

■ ■ ■

تستطيع أن تقول لها صادقاً: «أحبّكِ مهما فعلتِ»، لكنّك ستحقد عليها إذا فعلتْ وإنْ ظللتَ على حبّكَ لها.

■ ■ ■

يشعر الناجي بحقارةٍ ما حيال جاره المصاب. لا أحد يؤاسي المصاب. المصاب لا يَحْسد الناجي قَدْر ما الناجي «يتنكّر» للمصاب.

■ ■ ■

يتبادل الرجل والمرأة في لحظة العشق حلمين متوازيين لا يلتقيان أبداً.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

أنسي الحاج: الحــرّة صبــاح

أنسي الحاج: الحــرّة صبــاح

أنسي الحاج: الحــرّة صبــاح

أنسي الحاج
خواتم 3
2010

جمعتني سهرة إلى صباح. مشرقة كعادتها، لكنّها في الجلسة الحميمة أكثر انطلاقاً مع أسرارها. عفويّتها تُذهل، ومَن يتابع مقابلاتها التلفزيونية يعرف أمانتها لذاتها. في الجلسة الحميمة تَمضي في الصراحة أبعد، فتكشف عن حقائق تتيح تكوين فكرة بليغة وأحياناً مخيفة عن الفرق بين الظاهر والمستور وبين الشائع والواقع في خزائن الحياة الفنيّة. قرأتُ مرّة حول مشروع إنتاج مسلسل عن صباح. عسى أن يتمّ. وعسى أيضاً أن يكتب له السيناريو وأن يخرجه مَن يُحسن استخلاص معاني التجارب الفنيّة والشخصيّة التي حفلت بها حياة هذه الفنّانة الكبيرة. فنّانة اقترن وجهها بإشعاع الضحكة، وتزخر حياتها بوقائع وأحداث من شأنها، لو أذيع بعضها على الأقلّ، أن تُغيّر كتابة تاريخ عصر فنّي عربي كامل.

يُعْجب مَن يجلس اليوم إلى صباح بدوام التوهّج ونضارة الذاكرة، ذاكرة لم تغِب عنها أدقّ التفاصيل، تفاصيل من نوع تلك التي تضيء أكثر من كل إنارة، وفي لحظة واحدة تجعل ما كنت تظنّه وجهاً، قناعاً لوجه، وما كنت تحسبه حقائق مؤكدة، خرافات تُمسي غباراً.

قرأتُ مثل غيري ما نُشر أخيراً من ذكريات محمد عبد الوهاب، وفيها المألوف وفيها الساحر، لكنّها مغمورة بالكياسة والمجاملة. أنا أحد الذين أتيح لهم سماع بعض آرائه في بعض أهل الفنّ وأستطيع القول إنه لم يكن دوماً صريحاً في مذكّراته المدوّنة ولا في سابقاتها المسجّلة للإذاعة المصريّة. حين نطالع في الكتاب الذي أصدره هنري زغيب وضمّنه ذكريات لمنصور الرحباني، نرى أن الصراحة لا تغيب تماماً عن السرد، ولكن الذاكرة تُغيّب نفسها حيث تستنسب. ناهيك بمذكّرات الأدباء حيث الكمال بالتمام، وحيالها يبدو نفاق السياسيّين في مذكراتهم تحفة في الأمانة.

صباح لا تغادر الشفافية. وصدقها، ولو كان صادماً مرّات، مُستحبّ لأنه يصدر عن نفس طيّبة.

قتحمت صباح الميدان المصري الفنّي بزخم وغزارة عطاء نادرين سواء في السينما أو في الغناء. لم يبقَ ملحّن إلّا ألّف لها، ويروى أن أَحدهم، ومن أشهرهم، كان حين يشيع لحنه بصوتها تنتابه الغيرة. وكم من غيرة ومن تحاسد ونميمة وتدمير وتدمير ذاتي في هذا الوسط الذي تملأ حكاياته أيّام العرب منذ أجيال. وكم من آلام وكم من أعاصير على الكواكب. والوجوه المعتِمة لهذه الأقمار التي تغمر شعوبها بالسعادة، لا أحد يعرف عنها شيئاً. يتناقل الكتّاب عن عبد الله القصيمي عنوان أحد مؤلفاته «العرب ظاهرة صوتيّة» بالخفّة التي نتناقل بها عادةً ما لا نتوقّف مليّاً عنده. العرب ظاهرة صوتيّة متخلّفة في السياسة، أمّا في الغناء فمن أبهى الظواهر الصوتيّة قاطبة. ونحن الكتّاب، مهما بلغ واحدنا من أهميّة، لا يقاس حضوره بإشعاع أصوات النجوم الذين قَوْلَبوا مشاعرنا ووجّهوا تعبيراتنا وسدّدوا خطى أحلامنا في حداثة العمر ومراهقته ومرّات في جميع مراحله. وغالباً لا نعرف عنهم إلّا القشور، وندير لهم ظهورنا لدى أقلّ إشاعة، كما كان عُبّاد الأوثان يعيدون حساباتهم مع أحد الآلهة إذا ضَعُفت أسهمه في السماء.

تصغي إلى صباح فلا تسمع إلّا حقائق تفاجئك بنبرةٍ عفويّة. هذه النجمة القريبة والبعيدة، القريبة من المشاعر والبعيدة عن المنال، نجمة شعبيّة تتشابه جميع عناصرها: التمثيل الشعبي والصوت الشعبي والكلام الشعبي واللحن الشعبي تكلّلها النجوميّة الشعبيّة، نجوميّة لم تقتصر على البُعد الفني بل امتدّت لتشمل نمط الحياة. فالحريّة التي مارستها صباح في زيجاتها وطلاقاتها وفي التعبير علناً عن مواقفها بلا مواربة ولا خوف جعلت لها مكانةً على حدة لم يعرف السجلّ الفني مثيلاً لها إلّا في الغرب. الفنّان العربي يَتَجَفْصَن، يتحنَّط في صورة مثاليّة لا يفارقها ولا أحد يُدقّق في صحّتها حتّى بعد رحيله. سيرة صباح عاصفة هبّت على هذا المشهد المصطنع، والغريزة الشعبيّة انتقمت عَبْرها من الأكاذيب. وعلى الصعيد الاجتماعي ترمز صباح إلى المرأة المنعتقة في محيط عربي ممنوع على نسائه الانعتاق. لقد مثّلت على الدوام التحدّي الحيّ والمحبوب للتقاليد الخانقة، ملايين النساء يحلمن بالقدرة على التصرّف مثلها وملايين الرجال حلموا إمّا بالوصول إليها وإمّا بترويضها خشية تأثير نموذجها على نسائهم. ولكن لا هذا ولا ذاك. حتّى أزواجها لم «يَصِلوا» إليها كما يصل الصيّاد إلى طريدته. ولعلّ هذا أحد أسباب طلاقاتها. كانوا يريدون الإمساك بالسرّ فلم يتمكّنوا، لا لأن الأساطير لا تبيح أسرارها بل لأن روح صباح المتمرّدة الحرّة استعصت على الاستملاك. وقدوتها، مثل كل نماذج التحرّر، لن تبارح أحلام النساء مهما عاكستهنّ الظروف.

لا تزال صباح تتوهَّج ولا تزال بنت عشرين. صنعت نجوماً كثيرين وكأنها ملحّن أو مُخرج، وكَرْمُها لم يبخل على أحد. وهي حلم لا لأنّها لا تتجسَّد، بل لأنّ حيويّة تَجسّدها سبقت حيويّة الحياة.

أنا ممَّن لم ينصفوا صباح. يحتاج المرء إلى دهر ليرى بعدْلٍ أبعدَ من طبيعته. بعكس صباح: كانت هي واستمرّت هي. ومن البداية وُهبت الحكمة في الغريزة والصلابة في البساطة، وصِباً يتجدّد كلّما امتحنَتْهُ الأيّام.

قبل عقود اعتُبرَتْ غريتا غاربو أيقونة الجمال النسائي في السينما الغربيّة، ولمّا بلغت من العمر ما رأت أنه نهاية الإغراء المضمون، اعتزلتْ واحتجبتْ. أصبحت رمز التوقّف عند القمّة. لا شكّ في مأسويّة قرار كهذا. وبقدر ما يحمل من قسوة على الذات يحمل من نرجسيّة جفّت ينابيع هجوميّتها فانطوت على نفسها مفضّلة دفء غار الذكريات. صباح هي النقيض من هذا المَثَل. لم تَقْبَل هزيمة ولا طَعَنتْ في حلفها مع الزمن. برهنَتْ دوماً أنّها على ثقة بنجمها، وخلقت للناس أملاً بإمكان العَوْم بسلامة على موج الوقت.

وفازت. وستظلّ ضحكتها الشقراء تقول للمستحيل: «بل أنتَ ممكن».

Posted in خواتم | أضف تعليقاً

أنسي الحاج في طابع تذكاري

أنسي الحاج في طابع بريدي

أنسي الحاج في طابع بريدي

أصدرت وزارة الاتصالات بالتنسيق مع شركة “ليبان بوست”، ثلاثة طوابع تذكارية لكل من الشاعرين انسي الحاج وجوزف حرب والفيلسوف كمال يوسف الحاج، وثلاث مغلفات اليوم الاول للاصدار لكل منهم، ويتميز غلافا الشاعرين بأبيات شعرية من اعمالهما.

وستتوفر في الاسواق يوم الاثنين المقبل 10 تشرين الثاني 2013، 30 ألف نسخة من كل طابع بقيمة 1750 ليرة لبنانية للطابع الواحد، و800 نسخة مرقمة من كل مغلف اليوم للاصدار بقيمة 15 ألف ليرة لبنانية للمغلف الواحد.

انسي الحاج وجوزف حرب والفيلسوف كمال يوسف الحاج في طوابع بريدية

انسي الحاج وجوزف حرب والفيلسوف كمال يوسف الحاج في طوابع بريدية

 

Posted in مقتطفات | أضف تعليقاً

ملتقى قصيدة النثر في تونس يطلق اسم أنسي الحاج على دورته الثانية

أنسي الحاج - تونس

أنسي الحاج – تونس


الجمهوريّة التونسية
وزارة الثّقافة
المندوبيّة الجهويّة بنابل
دار الثّقافة بنابل

برنامج الدورة الثانية
للملتقى الوطني لقصيدة النثر
دورة الشّاعر “أُنْسِي الحــــــــــــــــــــــاج”

* الجمعة 18 نيسان\أبريل 2014
الس15: الإفتتــــــــــــــــاح
معرض الفنّـــــــــــان الــــــتشكيلي “مراد شويه”
الس15و30: عرض و توقيع الإصدارات الجهوية
“لستُ عنْك بعيدًا” لأحمد حباشة (شعر)
“نسْجُ دَخان” لسليم المستور (شعر)
“بين ليليت و حوّاء عاشت جدّتي البكر” لوفاء بالطيب (نصوص)
الس17: قراءات شعريّة للضّيوف
يُديرُ اللّقاء الشّاعر: جميل عمامي

* السبت نيسان\أبريل 2014
الس10: مداخلة نقديّة للأستاذ الشاعر: عبد الوهاب الملوّح بعنوان “هؤلاء
اللّذين يتسلَّقُون سَلالِمَ الرّيح-شعراءُ الألفيّة الثّالثة-“
الس10و30: نقــــــــــــــــــــــــــــــــاش
الس11: تكريم الشاعرة: “فضيلة الشّابي” يقدِّمُها الأستاذ: “مجدي بن
عيسى”
الس11و30: قراءة شعريّة للشاعرة: “فضيلة الشّابي”
الس12: استــــــــــــــــــــــــــراحــــــة غــــــــــــــــــــــــداء
الس15: مداخلة الأستاذ “مجدي بن عيسى” بعنوان “ارتيادُ الأقاصِي حيْثُ
الهُنا و الآن” (ظاهرةُ التَّنْثِيرِ في قصيدة النَّثْر التّونسيّة)
الس16: نقــــــــــــــــــــــــــــــــاش
الس17: أمسية شعريّة لكلٍّ من: سعيف علي،سفيان رجب، محمد الناصرالمولهي، هدى الحاجي،شوقي العنيزي
يقدِّمُها الشاعر: جميل عمامي

* الأحد 20 نيسان\أبريل 2014
الس10: مداخلة الأستاذ الدكتور: “الهادي العيّادي” بعنوان “المحاكاة
السّاخِرة في قصيدة النثر-أُنْسِي الحاج أنمُوذَجًا- (وفاءً لروحِ الشّاعر)
الس10و30: نقــــــــــــــــــــــــــــــــاش
الس11: أُمْسية خِتاميّة
يُؤثِّثُها الشّعراء: أشرف القرقني،عبد الوهاب الملوّح،رضا العبيدي،مجدي بن عيسى،شاكر السّيّاري

Posted in ندوات ومؤتمرات | أضف تعليقاً

الفنان يعمل

عباس بيضون
جريدة السفير
4 شباط 2014

أنسي الحاج

أنسي الحاج

دخل إلى غرفته وأغلقها عليه. لم ينظر إلى ساعته لكنه لم يحطمها. لقد شاء باستمرار أن يكون لائقاً. أحبَّ فقط أن يكون رقيقاً، أراد أن يكون خفياً ووحده يطلق العنان لسخريته. يلقي في وجه الكون ذرة خبث يستحقها. يرمي كلمة سوداء عارمة بالضحك. في الخارج كان حتى الهواء يغدو خشناً. يغدو جارحاً وقاسياً ومسنوناً. في الخارج كانت الأسلحة البالية تتراكم لكن العنف يبقى أخضر ونضراً. كانت الفصائل منهكة متهاوية لكن التعب هو رسول القتل، وفي التعب الأقصى لا شيء سوى الدماء لغسل التعب وغسل الخوف وغسل الضجر. لم يحب الدم. طالما خاف من جرح في إصبعه، كان أحياناً قاسياً، كلماته قاسية في مواقف لكنها لم تكن قط دموية، صارع وحده ولم يكن أبداً تحت راية. كان وحده غاضباً ووحده ثائراً ووحده متألماً ووحده شقياً، لكنه لم يجرح زهرة، لم يَدسْ نملة. وبالطبع لم يكن أبداً في الحشد، فهم أن الخوف وحده يدفع الناس إلى الحشد لكنه لم يكن يوماً في فصيل، بحث عن البراءة وجد كلمات زانية فغسلها وانتزع منها شرها وأعادها إلى طفولتها، مشت الكلمات أمامه وكأنها مولودة تواً. بعد أن صرخ ملياً في الوعر أراد أن يغني.ترك الكلمات ترقص، كانت موجودة لذلك، الغناء سهل ولا يحتاج إلى أوزان والى مقامات، الغناء سهل لأن الكلام يغني وحده، لأنه وُجد ليغني.

دخل غرفته وأغلقها عليه، لأنهم يعربدون في الخارج، لأنهم يصحّرون الروح، لأنهم يزنون بالكلمات ويجعلونها مشبوهة وعاقرة، لأنهم يأكلون أجساد بعضهم بعضاً، في هكذا مكان يصعب على المرء أن يجد نفسه. إنها باستمرار طائرة خوفاً وطائرة سأماً وفارّة من وجه القبح والشر، في هذا المكان يصعب على المرء أن يصنع قصيدته وأن يجد مكاناً لها. يصعب على المرء أن يلعب مع الكلمات وأن يلعب بالكلمات، لقد وجدت القصيدة انها متلألئة في السماء. ملموسة وبارزة ولا تحتاج إلا لمن يعيد تركيبها، إنها موجودة داخل الجسد وداخل النفس. وها هو يغمض عينيه ويجدها. يغمض عينيه ويتابع الصراع. يغمض عينيه ويعمل. يعمل بصمت. يعمل في نومه، يرى القصيدة ويجمعها. تأتيه الكلمات طوع يده وهو لا يفعل سوى أن يثبتها في أماكنها. إنه يراها، يحلم بها. فهو يعمل حتى في نومه، وحين يستيقظ سنرى القصيدة في عينيه، حين يصحو ويخرج من الغرفة سنرى القصيدة فيه. سيكون هو القصيدة.

Posted in عن أنسي الحاج | أضف تعليقاً

لا تكتب عن أنسي الحاج

جرجس شكري
مجلة أخبار الأدب
8 فبراير\شباط 2014

لا تكتب عن أنسي الحاج‮ ‬،‮ ‬فهذا الشاعريبدو قاسياً‮ ‬حزيناً‮ ‬مثل نبي طرده أبناء وطنه فلجأ إلي برية‮ ‬بعيدة ليصرخ فيها وحيدا‮ ‬،‮ ‬يلبس حول حقويه جلد ماعز،‮ ‬يأكل جراداً‮ ‬وعسلاً‮ ‬ويكتفي بالصلاة للكلمات المجردة،‮ ‬الكلمات الأولي،‮ ‬شعرت للمرة الأولي بقسوة اللغة‮ ‬،أو قل اللغة العارية التي تجردت من كل‮ ‬غايتها التي نعرفها ولجأت إلي‮ ‬غايات جديدة‮ ‬،طليعية تصطدم كل من اقترب منها،‮ ‬فشعرت بالخوف وأنا أقرأ‮( ‬لن‮) ‬لأنسي الحاج،‮ ‬أنا الذي قرأ شعراً‮ ‬يبدو جميلاً‮ ‬غارقاً‮ ‬في البلاغة،‮ ‬إذ قرأت قبل أنسي الحاج قصائد نثر ترتدي ملابس الشعر‮ ‬،‮ ‬قصائد تضع علي رأسها قبعة البلاغة وتنتعل المجاز والموسيقي،‮ ‬فكثيرون كتبوا ومازالوا‮ ‬يكتبون قصيدة النثر بمنطق الشعر التقليدي،‮ ‬بمنطق الأسلاف لغةً‮ ‬وبناءً‮ ‬ولكنه آمن بالنثر الخالص،الطبيعي‮ ‬فمنحه شعراً‮ ‬خالصاً‮ ‬وخاصاً،‮ ‬منحه أسراره وفتح له أبوابه المستعصية‮ ‬،‮ ‬فهو‮ ‬يؤمن أن أدوات النثر تعمل لغايات شعرية ليس إلا‮ ‬،‮ ‬فهو لا‮ ‬يستعير من تراث الشعر شيئاً‮ ‬يتوكأ عليه في قصيدة النثر،‮ ‬لكنه‮ ‬يخلق من النثر شعراً‮ ‬،‮ ‬هو‮ ‬يعرف أكثر من كل الشعراء أن النثر وحده فيه كل مقومات الشعر‮.

أنسي الحاج _أخبار الأدب

أنسي الحاج _أخبار الأدب

‮……………‬

‮ ‬وكما أن الأشياء حين تصعد إلي خشبة المسرح تتجرد من‮ ‬غايتها في الحياة وتصبح أشياء المسرح،‮ ‬فالكرسي الذي نجلس عليه حين‮ ‬يصعد إلي خشبة المسرح‮ ‬يُصبح كرسي المسرح،‮ ‬ربما كرسي قيصر أو الملك لير أو كرسي‮ ‬يوجين‮ ‬يونسكو،‮ ‬أو كرسي الزمن‮ ‬،هكذا كل أدوات النثر حين تدخل قصيدة أنسي الحاج تصبح أدوات الشعر تعمل لغايات شعرية‮ ‬،‮ ‬وهذا ما أدهشني ومن قبل جعلني أشعر بقسوة شعر أنسي الحاج حين قرأته لأول مرة‮ ‬،‮ ‬لأنه ذهب إلي الشعر من طريق جديد‮ ‬،‮ ‬ذهب من الباب الضيق إلي ملكوت الشعر‮ .‬

أنسي الحاج عكس كل الشعراء دخل إلي القصيدة مسلحاً‮ ‬بأدوات النثر وليس بأدوات الشعر التي نعرفها‮ ‬،‮ ‬دخل وهو‮ ‬يثق تمام الثقة في النثر أن‮ ‬يمنحه شعراً‮ ‬خالصاً‮ ‬دون دعم أو مساعدة من أدوات الشعر التي نعرفها‮ ‬،‮ ‬ربما حاوره طويلاً‮ ‬وسأله لا تخذلني‮ ‬يا صديقي‮ ‬،‮ ‬فأنا أؤمن بك‮ .‬

‮………….‬

في‮ ‬يناير عام‮ ‬1965‮ ‬كتب أنسي الحاج تحت عنوان هذه هي الحياة‮ : ‬أنا من الذين‮ ‬يعتقدون بالدخيلاء،‮ ‬واللاوعي،‮ ‬والمغناطيس،‮ ‬والعقل الباطن،‮ ‬والحلم،‮ ‬والخيال،‮ ‬والمدهش،‮ ‬والعجيب،والسحر والهذيان،والصدفة،‮ ‬وما فوق الواقعي،‮ ‬وكل ما هو مشبوه فوق الواقع،‮ ‬ولي اهتمامات بالجوانب المثيرة من الانحرافات العصبية والعقلية والنفسية‮ . ‬واعتبر منطقة النفس البشرية أعمق وأكثر تفوقاً‮ ‬من أن‮ ‬يحيط بها أو‮ ‬يحصرها طب نفسي‮ ‬يظن في‮ ‬يده المفاتيح لأبواب هذه المنطقة والعلاج لأمراضها‮.‬

ربما تكون هذه الكلمات جزءا‮ ‬يسيرا من بطاقة هوية أنسي الحاج الذي قال إنه‮ ‬يرفض شرطة الجمال وحشرات التزييف الشعري والفني والعقائدي‮ !‬لأنه‮ ‬يعرف الكلمات في جوهرها لا في مظرهها الزائف‮! ‬تخيلته‮ ‬يسأل الكلمات وربما العابرين،‮ ‬الاسلاف والمعاصرين‮.. ‬هل‮ ‬يخرج من النثر قصيدة؟‮ ‬أنسي الحاج أجاب بمفرده والآخرون أجابوا أيضاً،‮ ‬هو أجاب وانحاز إلي النثر وقال‮: ‬قصيدة النثر عالم بلا مقابل‮ ‬،‮ ‬فقصيدة النثر كي تكون قصيدة حقاً‮ ‬لا قطعة نثر فنية أو محملّة بالشعر تتوافرفيها شروط ثلاثة‮ ‬،الإيجاز والتوهج والمجانية‮ ‬وظل هكذا في كل أعماله،‮ ‬عاش أنسي الحاج‮ ‬يسأل الكلمات العارية مثل سفسطائي إغريقي‮ ‬يستيقظ من نومه ليسأل السماء عن أصلها والعالم عن المحرك الأول،و في خريف‮ ‬1960‮ ‬كانت مقدمة‮ – ‬لن‮ – ‬مانيفستو قصيدة النثر وفيها كان‮ ‬يسأل النثر عن الشعر،‮ ‬وجاءت الإجابة حافلة بالقلق في‮ – ‬الراس المقطوع،‮ ‬ماضي الأيام الآتية،‮ ‬الرسولة بشعرها الطويل حتي الينابيع‮ – ‬وبعد ثلاثين عاماً‮ ‬في مقدمة‮ – ‬خواتم‮ – ‬راح‮ ‬يكفر الكلمات نثراً‮ ‬وشعراً‮ ‬،‮ ‬فلم تعد الكلمات تبلور الحقائق وتبدعها،‮ ‬يقول‮ : ‬لقد أصبحت الكلمات تنقل إلينا بلاغتها،‮ ‬في أي لغة كانت،‮ ‬لكنها لاتقيم بينها وبيننا تواصل الحب‮. ‬القربان انفصل عن رمزه‮ . ‬هل ماتت الكلمة؟‮ ‬وكان‮ ‬يسأل عن نفسه لا عن الكلمة‮ ‬،‮ ‬كان‮ ‬يسأل عن موته بعد أن توقف عن الكتابة‮( ‬لكوني عدت واستأنفت الكتابة وكأني عدت واستأنفت الحياة بعد موتي‮) ‬

‮……….‬

في شعر أنسي الحاج الكلمات التي كانت في البدء‮ ‬،‮ ‬الكلمات العارية كحواء وآدم قبل طردهما من السماء‮ ‬،‮ ‬كلمات لا تشعر بالخجل من عريها تستطيع أن تواجه العالم دون أقنعة وتقف في القصائد مرفوعة الرأس بلا زينة‮ ‬،‮ ‬فهو حليف الكلمات قبل أن‮ ‬يكسوها الأسلاف بملابس المجاز والاستعارة وكل عباءات البلاغة‮ ! ‬وظني أن هذا ما جعلني أشعر بالقسوة وأنا أقرأ شعره للمرة الأولي كان لابد أن تتخلص ذائقتي من تاريخ طويل من الأقنعة‮ . ‬فالكلمات عنده تتخلص حتي معانيها التي نعرفها‮ ‬،‮ ‬فالشعر كلام الصمت‮ ( ‬مامن فرق بين الشعر والحب إلا الأول كلام الصمت والآخر فعله‮) ‬والكلمات عند الآخرين صاخبة ترتدي سراويل ومعاطف و أحذية وتضع كل أنواع المساحيق‮ ! ‬لهذا أقرأ شعر أنسي الحاج في صمت‮ ‬،‮ ‬ولا أناقش الآخرين حوله‮ ‬،‮ ‬لا أتحدث مع أحد عن شعره‮ ‬،‮ ‬وكأنه طقس سري ممتع‮ ‬،‮ ‬أتامله‮ ‬،‮ ‬أفكر في هذه السطور وفي قسوة المعني‮ ‬،‮ ‬أهمس لنفسي بكلام أنساه بعد لحظات وأقول لي‮ : ‬لاتكتب عن أنسي الحاج،‮ ‬ولا تتحدث عنه‮ ‬،‮ ‬احفظه كمحبة لا تسقط أبداً‮ . ‬

Posted in عن أنسي الحاج | أضف تعليقاً